السيد محمد تقي المدرسي

26

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

ثم نعرج إلى الحديث عن صفات الفقيه‌الذي يجوز له استنباط الحكم الشرعي ، وهكذا سوف نستعرض حقائق هذا الباب ضمن ثلاثة بحوث : 1 / معرفة العلوم القرآنية من خصائص الحكم العقلي ، وضوحه وتعاليه عن الريب وما يبعثه في النفس من سكينة ويقين ، وأنه لا يختلف مع‌سائر الأحكام العقلية ، ولا يتناقض مع ذاته في الظروف المختلفة ، ولا يختلف العقلاء فيه أنى تعددت مشاربهم وإنتماءاتهم . ولا يبلغ العقل مثل هذه الأحكام‌عادةإلا بعد الإحاطة علماً بكل المواد الضرورية للحكم . . فمن أراد استنباط حكم شرعي من القرآن الكريم يحكم عقله بأن عليه أن يؤتى أولًا علم القرآن . وعلم القرآن يستدعي علم ناسخه ومنسوخه ، عامه وخاصه ، محكمه ومتشابهه ، وذلك يتم بدراسته والتدبر فيه ، كمايتم بمراجعة السنة المباركة التي هي تفسيره . . من كلمات الرسول‌صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته‌عليهم السلام . 2 - معرفة الحوادث الواقعة ومعرفة الزمان والعرف والضرورات والحاجات ، هي محتوى الفتاوى التي تتصل بالحوادث الواقعة . ولذلك يحكم‌العقل بلزوم الإحاطة علما بها قبل إصدار أي فتوى ، لأن الفتوى هي الحكم الجزئي الذي يتركب من أمرين ؛ الأول : مصادر التشريع ، الثاني : تحديد الموضوع . ولا يمكن تحديد الموضوع من دون معرفة المتغيرات ، ببديهة الوجدان ، وشهادة العقل ، وحكم الوحي الذي أمرنا بأن نحكم بالعرف في قوله سبحانه : خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ( الأعراف / 199 ) . كما أمرنا باستخراج الحكم من القرآن فقال سبحانه : وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإِلَى اولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ( النساء / 83 ) . وواضح إن مثل هذه الأمور من شؤون السياسة والحرب ذات علاقة بالمتغيرات التي يحتاج علمها إلى العلم بالزمان‌والمكان والخصوصيات التي فيهما .